ابن رشد
311
تهافت التهافت
الأجزاء من موضوعها أنها ليست تبطل ببطلان الكل ، وأن بطلان فعل الصورة من قبل الموضوع هو شبيه ببطلان فعل الصانع من قبل الآلة ، ولذلك ما يقول أرسطو ، إن الشيخ لو كان له عين كعين الشاب لأبصر كما يبصر الشاب يريد أنه قد يظن أن الهرم الذي لحق الشيخ في قوة الأبصار ليس هو من قبل عدم القوة بل هو من قبل هرم الآلة . ويستدل على ذلك ببطلان الآلة أو أكثر أجزائها في النوم والإغماء والسكر والأمراض التي يبطل فيها إدراكات الحواس فإنه لا يشك أن القوى ليس تبطل في هذه الأحوال ، وهذا يظهر أكثر في الحيوانات التي إذا فصلت بنصفين تعيش وأكثر النبات هو بهذه الصفة مع أنه ليس فيه قوة مدركة . فالكلام في أمر النفس غامض جدا وإنما اختص اللّه به من الناس العلماء الراسخين في العلم ولذلك قال سبحانه مجيبا في هذه المسألة للجمهور عندما سألوه بأن هذا الطور من السؤال ليس هو من أطوارهم في قوله سبحانه : وَيَسْئَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي وَما أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا وتشبيه الموت بالنوم في هذا المعنى فيه استدلال ظاهر في بقاء النفس من قبل أن النفس يبطل فعلها في النوم ببطلان آلتها ، ولا تبطل هي فيجب أن يكون حالها في الموت كحالها في النوم ، لأن حكم الأجزاء واحد وهو دليل مشترك للجميع لائق بالجمهور في اعتقاد الحق ومنبه للعلماء على سبيل التي منها يوقف على بقاء النفس . وذلك بيّن من قوله سبحانه : اللَّهُ يَتَوَفَّى الْأَنْفُسَ حِينَ مَوْتِها وَالَّتِي لَمْ تَمُتْ فِي مَنامِها . دليل ثالث قال أبو حامد : قولهم أن العلم لو حل في جزء من الجسم لكان العالم ذلك الجزء دون سائر أجزاء الإنسان والإنسان يقال له عام والعالمية صفة له على الجملة من غير نسبة إلى محل مخصوص . وهذا هوس فإنه يسمى مبصرا وسامعا وذائقا وكذا البهيمة توصف به وذلك لا يدل على أن إدراك المحسوسات ليس بالجسم بل هو نوع من التجوز كما يقال : فلان في بغداذ وإن كان في جزء من جملة بغداذ لا في جملتها ، ولكن يضاف إلى الجملة . قلت : أما إذا سلم أن العقل ليس ينسب إلى عضو مخصوص من الإنسان ، وأنه قد قام على ذلك برهان لأنه ليس هذا من المعروف بنفسه . فبيّن أنه يلزم عنه ألا يكون محله جسما من الأجسام وأنه ليس يكون قولنا في